محمد أبو زهرة
3403
زهرة التفاسير
القاعدين من النساء والأطفال والضعفاء ، أي رضوا بالمنزل الدون والمكان الهون ، وذلك لأنهم بخلاء جبناء ، وبهم تفنى الأمم والجماعات . وقد بين سبحانه وتعالى هوان هذه النفوس فقال تعالت كلماته : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 ) . وإذا كان أولو الطول والسعة والقوة في أبدانهم قد قالوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ، ولا تستنفرنا في جهادك الذي بعدت فيه الشقة ، وعظمت فيه المشقة ، فقد رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ، والخوالف جمع خالفة ، وهي المرأة المتخلفة عن الجهاد ، ويطلق على ما لا خير فيه ، أي أنهم رضوا أن يكونوا كالنساء القاعدات في البيوت ، والأشياء التي لا خير فيها ولا منفعة ، أي رضوا بحياة الدعة والاسترخاء ولو كان معها الذلة ، وتركوا حياة الكد والتعب ولو كان فيها العزة . وقال تعالى : وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي أنه بهذه الحال وأخواتها ، مما فروا فيها من الجهاد فرار الجبناء ، فسدت نفوسهم ، وأغلقت قلوبهم عن حب الخير والعيش الكريم ، وبنى للمجهول للإشارة إلى الأسباب المتراكمة التي توالت على نفوسهم ، وطبعتها على النفاق ، فطبع مع النفاق الذلة والاستهزاء والكذب ، وإخلاف الوعد ، وإن مدوا أعناقهم للذلة . إن النفاق يولد الجبن ، والجبن يولد المذلة والكذب وكل قبائح النفس ، ولذا قال تعالى : فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ و ( الفاء ) تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها ؛ لأن طبع القلب على النفاق يفسد الفكر ، فلا ينظر إلى عواقب الأمور ، ولا ما تنته إليه ، وأعيد الضمير في قوله تعالى : فَهُمْ لتأكيد وصفهم ، وثبوت حالهم ، والفقه كما ذكرنا هو العلم بلباب الأمور وغايتها ، فهم لم يعرفوا أن موقفهم لو سلك المؤمنون مسلكه لذلوا ، ولذهبت ريحهم ، ولم يدركوا أنهم بما يفعلون يقون أنفسهم من شقة الجهاد ، ولكن يكونون مهينين في الدنيا ، وتنالهم جهنم وبئس المصير .